فصل: ثم وصل الأمير تنكز إلى الديار المصرية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


 ثم وصل الأمير تنكز إلى الديار المصرية

في يوم الثلاثاء ثامن المحرم سنه إحدى وأربعين وسبعمائة وهو متضعف صحبة الأمير بيبرس السلاح دار وأنزل بالقلعة في مكان ضيق‏.‏

وقصد السلطان ضربه بالمقارع فقام الأمير قوصون في شفاعته حتى أجيب إلى ذلك‏.‏

ثم بعث السلطان إليه يهدده حتى يعترف بما له من المال ويذكر له من كان موافقًا له من الأمراء على العصيان فأجاب بأنه لا مال له سوى ثلاثين ألف دينار وديعة عنده لأيتام بكتمر الساقي وأنكر أن يكون خرج عن الطاعة‏.‏

فأمر به السلطان في الليل فأخرج مع المقدم بن صابر وأمير جاندار في حراقة إلى الإسكندرية فقتله بها المقدم بن صابر في يوم الثلاثاء نصف المحرم من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وتأتي بقية أحواله‏.‏

ثم لما وصل الأمير بشتك إلى دمشق قبض على الأمير صاروجا والجيبغا العادلي وسلما إلى الأمير برسبغا فعاقبهما أشد عقوبة على المال وأوقع الحوطة على موجودهما‏.‏

ثم وسط بشتك جنغاي وطغاي مملوكي تنكز وخواصه بسوق خيل دمشق وكان جنغاي المذكور يضاهي أستاذه تنكز في موكبه وبركه ثم أكحل صاروجا وتتبع أموال تنكز فوجد له مايجل وصفه وعملت لبيع حواصله عدة حلق وتولى البيع فيها الأمير ألطنبغا الصالحي نائب دمشق والأمير أرقطاي وهما أعدى عدو لتنكز‏.‏

وكان تنكز أميرًا جليلًا محترمًا مهابًا عفيفًا عن أموال الرعية حسن المباشرة والطريقة إلا أنه كان صعب المراس ذا سطوة عظيمة وحرمة وافرة على الأعيان من أرباب الدولة متواضعًا للفقراء وأهل الخير وأوقف عدة أوقاف على وجوه البر والصدقة‏.‏

وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ جلب تنكز إلى مصر وهو حدث فنشأ بها وكان أبيض إلى السمرة أقرب رشيق القد مليح الشعر خفيف اللحية قليل الشيب حسن الشكل ظريفه‏.‏

جلبه الخواجا علاء الدين السيواسي فاشتراه الأمير لاجين فلما قتل لاجين في سلطنته صار من خاصكية الملك الناصر وشهد معه وقعة وادي الخازندار ثم وقعة شقحب‏.‏

قلت‏:‏ ولهذا كان يعرف تنكز بالحسامي‏.‏

قال‏:‏ وسمع تنكز صحيح البخاري غير مرة من ابن الشحنة وسمع كتاب معاني الآثار للطحاوي وصحيح مسلم وسمع من عيسى المطعم وأبي بكر بن عبد الدائم وحدث وقرأ عليه المحدثين ثلاثيات البخاري بالمدينة النبوية‏.‏

قال‏:‏ وكان الملك الناصر أمره إمرة عشرة قبل توجهه إلى الكرك ثم ساق توجهه مع الملك الناصر إلى الكرك وخروجه من الكرك إلى مصر وغيرهما إلى أن قال‏:‏ وولاه السلطان نيابة دمشق في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة فأقام بدمشق نائبًا ثمانيًا وعشرين سنة وهو الذي عمر بلاد دمشق ومد نواحيها وأقام شعائر المساجد بها بعد التتار‏.‏

قلت‏:‏ وأما ماظهر له من الأموال فقد وجد له من التحف السنية ومن الأقمشة مائتا منديل زركش وأربعمائة حياصة ذهب وستمائة كلفتاه زركش ومائة حياصة ذهب مرصعة بالجوهر وثمان وستون بقجة بذلات ثياب زركش وألفا ثوب أطلس ومائتا تخفيفة زركش‏.‏

وذهب مختوم أربعمائة ألف دينار مصرية‏.‏

ووجد له من الخيل والهجن والجمال البخاتي وغيرها نحو أربعة آلاف ومائتي رأس وذلك غير ما أخذه الأمراء ومماليكهم فإنهم كانوا ينهبون ما يخرج به نهبًا‏.‏

ووجد له من الثياب الصوف ومن النصافي ما لا ينحصر‏.‏

وظفر الأمير بشتك بجوهر له ثمين اختص به‏.‏

وحملت حرمه وأولاده إلى مصر صحبة الأمير بيغرا بعد ما أخذ لهم من الجوهر واللؤلؤ والزركش شيء كثير‏.‏

وأما أملاكه التي أنشأها فشيء كثير‏.‏

وقال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في تاريخه وهو معاصره قال‏:‏ ورد مرسوم شريف إلى دمشق بتقويم أملاك تنكز فعمل ذلك بالعمول وأرباب الخبرة وشهود القيمة وحضرت بذلك محاضر إلى ديوان الإنشاء لتجهز إلى السلطان فنقلت منها ما صورته‏:‏ دار الذهب بمجموعها وإسطبلاتها ستمائة ألف درهم‏.‏

دار الزمرد مائتا ألف وسبعون ألف درهم‏.‏

دار الزردكاش وما معها مائتا ألف وعشرون ألف درهم‏.‏

الدار التي بجوار جامعه بدمشق مائة ألف درهم‏.‏

الحمام التي بجوار جامعه مائة ألف درهم‏.‏

خان العرصة مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم‏.‏

إسطبل حكر السماق عشرون ألف درهم‏.‏

الطبقة التي بجوار حمام ابن يمن أربعة الآف وخمسمائة درهم‏.‏

قيسارية المرحلين مائتا ألف وخمسون ألف درهم‏.‏

الفرن والحوض بالقنوات من غير أرض عشرة آلاف درهم‏.‏

حوانيت التعديل ثمانية آلاف درهم‏.‏

الأهراء من إسطبل بهادر آص عشرون ألف درهم‏.‏

خان البيض وحوانيته مائة ألف وعشرة الآف درهم‏.‏

حوانيت باب الفرج خمسة وأربعون ألف درهم‏.‏

حمام القابون عشرة آلاف درهم‏.‏

حمام العمري ستة آلاف درهم‏.‏

الدهشة والحمام مائتا ألف وخمسون ألف درهم‏.‏

بستان العادل مائة ألف وثلاثون ألف درهم‏.‏

بستان النجيبي والحمام والفرن مائة ألف درهم وثلاثون ألف درهم بستان الحلبي بحرستا أربعون ألف درهم‏.‏

الحدائق بها مائة ألف وخمسة وستون ألف درهم بستان القوصي بها ستون ألف درهم‏.‏

بستان الدردوزية خمسون ألف درهم الجنينة المعروفة بالحمام بزبدين سبعة الآف درهم‏.‏

بستان الرزاز خمسة وثمانون ألف درهم الجنينة وبستان غيث ثمانية آلاف درهم‏.‏

المزرعة المعروفة بتهامة بها يعني دمشق ستون ألف درهم مزرعة الركن النوبي والعبري مائة ألف درهم الحصة بالدفوف القبلية بكفر بطنا ثلثاها ثلاثون ألف درهم بستان السفلاطوني خمسة وسبعون ألف درهم الفاتكيات والرشيدي والكروم بزملكا مائة ألف درهم وثمانون ألف درهم‏.‏

مزرعة المربع بقابون مائة ألف وعشرة الآف درهم الحصة من غراس غيضة الأعجام عشرون ألف درهم نصف الضيعة المعروفة بزرنية خمسة آلاف درهم غراس قائم في جوار دار الجالق ألفا درهم‏.‏

النصف من خراج الهامة ثلاثون ألف درهم الحوانيت التي قبالة الحمام مائة ألف درهم بيدر تبدين ثلاثة وأربعون ألف درهم الإسطبلات التي عند الجامع ثلاثون ألف درهم أرض خارج باب الفرج ستة عشر ألف درهم القصر وما معه خمسمائة ألف درهم وخمسون ألف درهم ربع ضيعة القصرين ثمانية وعشرون ألف درهم نصف بوابة مائة وثمانون ألف درهم العلانية بعيون الفارسنا ثمانون ألف درهم حصة دير ابن عصرون خمسة وسبعون ألف درهم حصة دويرة الكسوة ألف وخمسمائة درهم الدير الأبيض خمسون ألف درهم العديل مائة ألف وثلاثون ألف درهم حوانيت أيضًا داخل باب الفرج أربعون ألف درهم التنورية اثنان وعشرون ألف درهم‏.‏

الأملاك التي له بحمص‏:‏ الحمام خمسة وعشرون ألف درهم الحوانيت سبعة آلاف درهم السريع ستون ألف درهم الطاحون الراكبة على العاصي ثلاثون ألف درهم زور قبجق خمسة وعشرون ألف درهم الخان مائة ألف درهم الحمام الملاصقة للخان ستون ألف درهم الحوش الملاصق له ألف وخمسمائة درهم‏.‏

المناخ ثلاثة آلاف درهم الحوش الملاصق للخندق ثلاثة آلاف درهم حوانيت العريضة ثلاثة آلاف درهم الأراضي المحتكرة سبعة آلاف درهم‏.‏

والتي في بيروت‏:‏ الخان مائة وخمسة وثلاثون ألف درهم الحوانيت والفرن مائة وعشرون ألف درهم المصبنة بآلاتها عشرة آلاف درهم الحمام عشرون ألف درهم‏.‏

المسلخ عشرة آلاف درهم الطاحون خمسة آلاف درهم قرية زلايا خمسة وأربعون ألف درهم‏.‏

القرى التي بالبقاع‏:‏ مرج الصفا سبعون ألف درهم التل الأخضر مائة ألف وثمانون ألف درهم المباركة خمسة وسبعون ألف درهم‏.‏

المسعودية مائة ألف درهم‏.‏

الضياع الثلاث المعروفة بالجوهري أربعمائة ألف وسبعون ألف درهم السعادة أربعمائة ألف درهم أبروطيا ستون ألف درهم نصف بيرود والصالحية والحوانيت أربعمائة ألف درهم المباركة والناصرية مائة ألف درهم رأس الماء سبعة وخمسون ألف درهم حصة من خربة روق اثنان وعشرون ألف درهم رأس الماء والدلي بمزارعها خمسمائة ألف درهم حمام صرخد خمسة وسبعون ألف درهم‏.‏

طاحون الغور ثلاثون ألف درهم السالمية ثلاثة آلاف درهم‏.‏

الأملاك بقارا‏:‏ الحمام خمسة وعشرون ألف درهم الهري ستمائة ألف درهم الصالحية والطاحون والأراضي مائتا ألف درهم وخمسة وعشرون ألف درهم‏.‏

راسليها ومزارعها مائة وخمسة وعشرون ألف درهم القضيبة أربعون ألف درهم‏.‏

القريتان المعروفة إحداهما بالمزرعة والأخرى بالبينسية تسعون ألف درهم هذا جميعه خارج عما له من الأملاك على وجوه البر والأوقاف في صفد وعجلون والقدس ونابلس والرملة والديار المصرية‏.‏

وعمر بصفد بيمارستانا مليحًا‏.‏

وعمر بالقدس رباطًا وحمامين وقياسر‏.‏

وله بجلجولية خان مليح وله بالقاهرة دار عظيمة بالكافوري‏.‏

قلت‏:‏ هي دار عبد الباسط بن خليل الآن‏.‏

وحمام وغير ذلك من الأملاك‏.‏

انتهى كلام الشيخ صلاح الدين باختصار‏.‏

قلت‏:‏ وكان لتغير السلطان الملك الناصر على تنكز هذا أسباب منها‏:‏ أنه كتب يستأذنه في سفره إلى ناحية جعبر فمنعه السلطان من ذلك لما بتلك البلاد من الغلاء فألح في الطلب والجواب يرد عليه بمنعه حتى حنق تنكز وقال والله لقد تغير عقل أستاذنا وصار يسمع من الصبيان الذين حوله‏.‏

والله لو سمع مني لكنت أشرت عليه بأن يقيم أحدًا من أولاده في السلطنة وأقوم أنا بتدبير ملكه ويبقى هو مستريحًا فكتب بذلك جركتمر إلى السلطان وكان السلطان يتخيل بدون هذا فأثر هذا في نفسه‏.‏

ثم اتفق أن أرتنا نائب بلاد الروم بعث رسولًا إلى السلطان بكتابه ولم يكتب معه كتابًا لتنكز فحنق تنكز لعدم مكاتبته ورد رسوله من دمشق‏.‏

فكتب أرتنا يعرف السلطان بذلك وسأل ألا يطلع تنكز على ما بينه وبين السلطان ورماه بأمور أوجبت شدة تغير السلطان على تنكز‏.‏

ثم اتفق أيضًا غضب تنكز على جماعة من مماليكه فضربهم وسجنهم بالكرك والشوبك فكتب منهم جوبان وكان أكبر مماليكه إلى الأمير قوصون يتشفع به في الإفراج عنهم من سجن الكرك‏.‏

فكلم قوصون السلطان في ذلك فكتب السلطان إلى تنكز يشفع في جوبان فلم يجب عن أمره بشيء فكتب إليه ثانيًا وثالثًا فلم يجبه‏.‏

فاشتد غضب السلطان حتى قال للأمراء‏:‏ ما تقولون في هذا الرجل هو يشفع عندي في قاتل أخي فقبلت شفاعته وأخرجته من السجن وسيرته إليه يعني طشتمر أخا بتخاص وأنا أشفع في مملوكه ما يقبل شفاعتي وكتب السلطان لنائب الشوبك بالإفراج عن جوبان المذكور فأفرج عنه فكان هذا وما أشبهه الذي غير خاطر السلطان الملك الناصر على مملوكه تنكز‏.‏

انتهى‏.‏

ثم اشتغل السلطان بموت أعز أولاده الأمير آنوك في يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع الآخر بعد مرض طويل ودفن بتربة الناصرية ببين القصرين وكان لموته يوم مهول نزل في جنازته جميع الأمراء وفعلت والدته خوند طغاي خيرات كثيرة وباعت ثيابه وتصدقت بجميع ما تحصل منها‏.‏

ثم إن السلطان ركب في هذه السنة وهي سنة إحدى وأربعين إلى بركة الحبش خارج القاهرة وصحبته عدة من المهندسين وأمر أن يحفر خليج من البحر إلى حائط الرصد ويحفر في وسط الشرف المعروف بالرصد عشر آبار كلى بئر نحو أربعين ذراعًا تركب عليها السواقي حتى يجري الماء من النيل إلى القناطر التي تحمل الماء إلى القلعة ليكثر بها الماء‏.‏

وأقام الأمير آقبغا عبد الواحد على هذا العمل فشق الخليج من بحري رباط الآثار ومروا به في وسط بستان الصاحب تاج الدين ابن حنا المعروف بالمعشوق وهدمت عدة بيوت كانت هناك وجعل عمق الخليج أربع قصبات‏.‏

وجمعت عدة من الحجارين للعمل وكان مهمًا عظيمًا‏.‏

ثم أمر السلطان بتجديد جامع راشدة فجدد وكان قد تهدم غالب جدره‏.‏

ثم ابتدأ توعك السلطان ومرض مرض موته فلما كان يوم الاربعاء سادس ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة قوي عليه الإسهال ومنع الأمراء من الدخول عليه فكانوا إذا طلعوا إلى الخدمة خرج إليهم السلام مع أمير جاندار عن السلطان فانصرفوا وقد كثر الكلام‏.‏

ثم في يوم الجمعة ثامنه خف عن السلطان الإسهال فجلس للخدمة وطلع الأمراء إلى الخدمة ووجه السلطان متغير فلما انقضت الخدمة نودي بزينة القاهرة ومصر وجمعت أصحاب الملاهي بالقلعة وجمع الخبز الذي بالأسواق وعمل ألف قميص وتصدق بذلك كله مع جملة من المال‏.‏

وقام الأمراء بعمل الولائم والأفراح سرورًا بعافية السلطان وعمل الأمير منكتمر الحجازي نفطًا كثيرًا بسوق الخيل تحت القلعة والسلطان ينظره واجتمع الناس لرؤيته من كل جهة‏.‏

وقدمت عربان الشرقية بخيولها وقبابها المحمولة على الجمال ولعبوا بالرماح تحت القلم وخرجت الركابة والكلابزية وطائفة الحجارين والعتالين إلى سوق الخيل للعب واللهو وداروا على بيوت الأمراء وأخذوا الخلع منهم وكذلك الطبلكية فحصل لهم شيء كثير جدًا بحيث جاء نصيب مهتار الطبلخاناه ثمانين ألف درهم ولما كان ليلة العيد وهي ليلة الأحد عاشر ذي الحجة وأصبح نهار الأحد اجتمع الأمراء بالقلعة وجلسوا ينتظرون السلطان حتى يخرج لصلاة العيد وقد أجمع رأي السلطان على عدم صلاة العيد لعود الإسهال عليه فإنه كان انتكس في الليلة المذكورة فما زال به الأمير قوصون والأمير بشتك حتى ركب ونزل إلى الميدان‏.‏

وأمر قاضي القضاة عز الدين عبد العزير بن جماعة أن يوجز في خطبته فعندما صلى السلطان وجلس لسماع الخطبة تحرك باطنه فقام وركب وطلع إلى القصر وأقام يومه به‏.‏

وبينا هو في ذلك قدم الخبر من حلب بصحة صلح الشيخ حسن صاحب العراق مع أولاد صاحب الروم فانزعج السلطان لذلك انزعاجًا شديدًا واضطرب مزاجه فحصل له إسهال دموي وأصبح يوم الاثنين وقد منع الناس من الاجتماع به‏.‏

فأشاع الأمير قوصون والأمير بشتك أن السلطان قد أعفى أجناد الحلقة من التجريد إلى تبريز ونودي بذلك وفرح الناس بذلك فرحًا زائدًا إلا أنه انتشر بين الناس أن السلطان قد انتكس فساءهم ذلك‏.‏

ثم أخذ الأمراء في إنزال حرمهم وأموالهم من القلعة حيث سكنهم إلى القاهرة فآرتجت القاهرة ومادت بأهلها‏.‏

واستعد الأمراء لا سيما قوصون وبشتك فإن كلًا منهما احترز من الآخر وجمع عليه أصحابه‏.‏

وأكثروا من شراء الأزيار والدنان وملأوها ماء وأخرجوا القرب والروايا والأحواض وحملوا إليهم البقسماط والرقاق والدقيق والقمح والشعير خوفًا من وقوع الفتنة ومحاصرة القلعة‏.‏

قكان يومًا مهولًا ركب فيه الأوجاقية وهجموا الطواحين لأخذ الدقيق ونهبوا الحوانيت التي تحت القلعة والتي بالصليبة‏.‏

هذا وقد تنكر ما بين قوصون وبشتك واختلفا حتى كادت الفتنة تقوم بينهما وبلغ ذلك السلطان فازداد مرضًا على مرضه وكثر تأوهه وتقلبه من جنب إلى جنب وتهوس بذكر قوصون وبشتك نهاره‏.‏

ثم استدعى بهما فتناقشا بين يديه في الكلام فأغمي عليه وقاما من عنده على ما هما عليه‏.‏

فاجتمع يوم الاثنين ثامن عشره الأمير جنكلي والأمير آل ملك والأمير سنجر الجاولي وبيبرس الأحمدي وهم أكابر أمراء المشورة فيما يدبرونه حتى اجتمعوا على أن يبعث كل منهم مملوكه إلى قوصون وبشتك ليأخذا لهم الإذن في الدخول على السلطان فأخذا لهم الإذن فدخلوا وجلسوا عند السلطان‏.‏

فقال الجاولي وآل ملك للسلطان كلامًا حاصله أن يعهد بالملك إلى أحد أولاده فأجاب إلى ذلك وطلب ولده أبا بكر وطلب قوصون وبشتك وأصلح بينهما ثم جعل ابنه أبا بكر سلطانًا بعده وأوصاه بالأمراء وأوصى الأمراء به وعهد إليهم ألا يخرجوا ابنه أحمد من الكرك وحذرهم من إقامته سلطانًا‏.‏

وجعل قوصون وبشتك وصييه وإليهما تدبير أمر ابنه أبي بكر وحلفهما‏.‏

ثم حلف الأمراء والخاصكية وأكد على ولده في الوصية بالأمراء وأفرج عن الأمراء المسجونين بالشام وهم‏:‏ طيبغا حاجي والجيبغا العادلي وصاروجا ثم قام الأمراء عن السلطان‏.‏

فبات السلطان ليلة الثلاثاء وقد تخلت عنه قوته وأخذ في النزع يوم الأربعاء فاشتد عليه كرب الموت حتى فارق الدنيا في أول ليلة الخميس حادي عشرين ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وله من العمر سبع وخمسون سنة وأحد عشر شهرًا وخمسة أيام فإن مولده كان في الساعة السابعة من يوم السبت سادس عشر المحرم سنة أربع وثمانين وستمائة‏.‏

وأمه أشلون بنت سكتاي بن قرا لاجين بن جفتاي التتاري‏.‏

وكان قدوم سكتاي مع أخيه قرمجي من بلاد التتار إلى مصر في سنة خمس وسبعين وستمائة‏.‏

ثم حمل السلطان الملك الناصر مئتا في محفة من القلعة بعد أن رسم بغلق الأسواق ونزلوا به من وراء السور إلى باب النصر ومعه من أكابر الأمراء بشتك وملكتمر الحجازي وأيدغمش أمير آخور ودخلوا به من باب النصر إلى المدرسة المنصورية ببين القصرين فغسل وحنط وكفن من البيمارستان المنصوري وقد اجتمع الفقهاء والقراء والأعيان ودام القراء على قبره أيامًا‏.‏

وأما مدة سلطنته على مصر فقد تقدم أنه تسلطن ثلاث مرارث فأول سلطنته كانت بعد قتل أخيه الأشرف خليل بن قلاوون في سنة ثلاث وتسعين وستمائة في المحرم وعمره تسع سنين وخلع بالملك العادل كتبغا المنصوري في المحرم سنة أربع وتسعين فكانت سلطنته هذه المرة دون السنة‏.‏

ثم توجه إلى الكرك إلى أن أعيد إلى السلطنة بعد قتل المنصور حسام الدين لاجين في سنة ثمان وتسعين وستمائة فأقام في الملك والأمر إلى سلار وبيبرس الجاشنكير إلى سنة ثمان وسبعمائة وخلع نفسه وتوجه إلى الكرك وتسلطن بيبرس الجاشنكير وكانت مدته في هذه المرة الثانية نحو التسع سنين‏.‏

ثم خلع بيبرس وعاد الملك الناصر إلى السلطنة ثالث مرة في شوال سنة تسع وسبعمائة واستبد من يوم ذاك بالأمر من غير معارض إلى أن مات في التاريخ المذكور وقد ذكرنا ذلك كله في أصل ترجمته من هذا الكتاب مفصلًا فكانت مدة تحكمه في هذه المرة الثالثة اثنتين وثلاثين سنة وشهرين وخمسة وعشرين يومًا‏.‏

وهو أطول ملوك الترك مدة في السلطنة فإن أول سلطنته من سنة ثلاث وتسعين وستمائة إلى أن مات نحوًا من ثمان وأربعين سنة بما فيها من أيام خلعه ولم يقع ذلك لأحد من ملوك الترك بالديار المصرية فهو أطول الملوك زمانًا وأعظمهم مهابة وأغزرهم عقلًا وأحسنهم سياسة وأكثرهم دهاء وأجودهم تدبيرًا وأقواهم بطشًا وشجاعة وأحذقهم تنفيذًا مرت به التجارب وقاسى الخطوب وباشر الحروب وتقلب مع الدهر ألوانًا نشأ في الملك والسعادة وله في ذلك الفخر والسيادة خليقًا للملك والسلطنة فهو سلطان وابن سلطان وأخو سلطان ووالد ثماني سلاطين من صلبه والملك في ذريته وأحفاده وعقبه ومماليكه ومماليك مماليكه إلى يومنا هذا بل إلى أن تنقرض الدولة التركية فهو أجل ملوك الترك وأعظمها بلا مدافعة ومن ولي السلطنة من بعده بالنسبة إليه كآحاد أعيان أمرائه‏.‏

وكان متجملًا يقتني من كل شيء أحسنه‏.‏

أكثر في سلطنته من شراء المماليك والجواري وطلب التجار وبذل لهم الأموال ووصف لهم حلي المماليك والجواري‏.‏

وسيرهم إلى بلاد أزبك خان وبلاد الجاركس والروم‏.‏

وكان التاجر إذا أتاه بالجلبة من المماليك بذل له أغلى القيم فيهم فكان يأخذهم ويحسن تربيتهم وينعم عليهم بالملابس الفاخرة والحوائص الذهب والخيول والعطايا حتى يدهشهم فأكثر التجار من جلب المماليك‏.‏

وشاع في الأقطار إحسان السلطان إليهم فأعطى المغل أولادهم وأقاربهم للتجار رغبة في السعادة فبلغ ثمن المملوك على التاجر أربعين ألف درهم وهذا المبلغ جملة كثيرة بحساب يومنا هذا‏.‏

وكان الملك الناصر يدفع للتاجر في المملوك الواحد مائة ألف درهم وما دونها‏.‏

وكان مشغوفًا أيضًا بالخيل فجلبت له من البلاد لا سيما خيول العرب آل مهنا وآل فضل فإنه كان يقدمها على غيرها ولهذا كان يكرم العرب ويبذل لهم الرغائب في خيولهم فكان إذا سمع العربان بفرس عند بدوي أخذوها منه بأغلى القيمة وأخذوا من السلطان مثلي ما دفعوا فيها‏.‏

وكان له في كل طائفة من طوائف العرب عين يدله على ما عندهم من الخيل من الفرس السابق أو الأصيل بل ربما ذكروا له أصل بعضها لعدة جدود حتى يأخذها بأكثر مما كان في نفس صاحبها من الثمن‏.‏

فتمكنت منه بذلك العربان ونالوا المنزلة العظيمة والسعادات الكثيرة‏.‏

وكان يكره خيول برقة فلا يأخذ منها إلا ما بلغ الغاية في الجودة وما عدا ذلك إذا جلبت إليه فرقها‏.‏

وكان له معرفة تامة بالخيل وأنسابها ويذكر من أحضرها له في وقتها وكان إذا استدعى بفرس يقول لأمير آخور‏:‏ الفرس الفلانية التي أحضرها فلان واشتريتها منه بكذا وكذا وكان إذا جاءه شيء منها عرضها وقلبها بنفسه فإن أعجبته دفع فيها من العشرة آلاف إلى أن اشترى بنت الكرماء بمائتي ألف درهم وهذا شيء لم يقع لأحد من قبله ولا من بعده فإن المائتي ألف درهم كانت يوم ذاك بعشرة آلاف دينار‏.‏

وأما ما اشتراه بمائة ألف وسبعين ألفًا وستين ألفًا وما دونها فكثير‏.‏

وأقطع آل مهنا وآل فضل بسبب ذلك عمة إقطاعات فكان أحدهم إذا أراد من السلطان شيئًا قدم عليه في معنى أنه يدله على فرس عند فلان ويعظم أمره فيكتب من فوره بطلب تلك الفرس فيشتد صاحبها ويمتنع من قودها ثم يقترح ما شاء ولا يزال حتى يبلغ غرضه من السلطان في ثمن فرسه‏.‏

وهو أول من اتخذ من ملوك مصر ديوانًا للإسطبل السلطاني وعمل له ناظرًا وشهودًا وكتابًا لضبط أسماء الخيل وأوقات ورودها وأسماء أربابها ومبلغ أثمانها ومعرفة سواسها وغير ذلك من أحوالها‏.‏

وكان لا يزال يتفقد الخيول فإذا أصيب منها فرس أو كبر سنه بعث به مع أحد الأوجاقية إلى الجشار بعد مايحمل عليها حصانًا يختاره ويأمر بضبط تاريخه فتوالدت عنده خيول كثيرة حتى أغنته عن جلب ماسواها ومع هذا كان يرغب في الفرس المجلوب إليه أكثر مما توالد عنده‏.‏

فعظم العرب في أيامه لجلب الخيل وشمل الغنى عامتهم وكانوا إذا دخلوا إلى مشاتيهم أوإلى مصايفهم يخرجون بالحلي والحلل والأموال الكثيرة‏.‏

ولبسوا في أيامه الحرير الأطلس المعدني بالطرز الزركش والشاشات المرقومة ولبسوا الخلع البابلي والإسكندري المطرز بالذهب وصاغ السلطان لنسائهم الأطواق الذهب المرصع وعمل لهم العناتر بالأمر الذهب والأساور المرصعة بالجوهر واللؤلؤ وبعث لهن بالقماش السكندري وعمل لهن البراقع الزركش ولم يكن لبسهم قبل ذلك إلا الخشن من الثياب على عادة العرب‏.‏

وأجل ما لبس مهنا أميرهم أيام الملك المنصور لاجين طرد وحش لمودة كانت بين لاجين وبين مهنا بن عيسى فأنكر الأمراء ذلك على الملك المنصور لاجين فاعتذر لهم بتقدم صحبته له وأياديه عنده وأنه أراد أن يكافئه على ذلك‏.‏

وكان الملك الناصر في جشاره ثلاثة آلاف فرس يعرض في كل سنة نتاجها عليه فيدمغها ويسلمها للركابين من العربان لرياضتها ثم يفرق أكثرها على الأمراء الخاصكية ويفرح بذلك ويقول‏:‏ هذه فلانة بنت فلانة أوفلان بن فلان عمرها كذا وشراء أمها بكذا وشراء أبيها بكذا‏.‏

وكان يرسم للامراء في كل سنة أن يضمروا الخيول ويرتب على كل أمير من أمراء الألوف أربعة أرؤس يضمرها‏.‏

ثم يرسم لأمير آخور أن يضمر خيلًا من غير أن يفهم الأمراء أنها للسلطان بل يشيع أنها له ويرسلها للسباق مع خيل الأمراء في كل سنة‏.‏

وكان للأمير قطلوبغا الأفخري حصان أدهم سبق خيل مصر كلها ثلاث سنين متوالية فأرسل السلطان إلى مهنا وأولاده أن يحضروا له الخيل للسباق فأحضروا له عدة وضمروا فسبقهم حصان الفخري الأدهم‏.‏

ثم بعد ذلك ركب السلطان إلى ميدان القبق ظاهر القاهرة فيما بين قلعة الجبل وقبة النصر وهو أماكن الترب الآن وأرسل الخيل للسبق وعدتها دائمًا في كل سنة ماينيف على مائة وخمسين فرسًا‏.‏

وكان مهنا بعث للسلطان حجرة شهباء للسباق على أنها إن سبقت كانت للسلطان وإن سبقت ردت إليه بشرط ألا يركبها للسباق إلا بدويها الذي قادها إلى مصر‏.‏

فلما ركب السلطان والأمراء على العادة ووقفوا ومعهم أولاد مهنا بالميدان وأرسلت الخيول من بركة الحاج كما جرت به العادة وركب البدوي حجرة مهنا الشهباء عريًا بغير سرج ولبس قميصًا ولاطئة فوق رأسه‏.‏

وأقبلت الخيول يتبع بعضها بعضًا والشهباء قدام الجميع وبعدها على القرب منها حصان الأمير أيدغمش أمير اخور يعرف بهلال فلما وقف البدوي بالشهباء بين يدي السلطان صاح بصوت ملأ الخافقين‏:‏ ‏"‏ السعادة لك اليوم يامهنا لاشقيت ‏"‏ وألقى بنفسه إلى الأرض من شدة التعب فقدمها مهنا للسلطان فكان هذا دأب الملك الناصر في كل سنة من هذا الشأن وغيره‏.‏

قلت‏:‏ وترك الملك الناصر في جشاره ثلاثة آلاف فرس وترك بالإسطبلات السلطانية أربعة آلاف فرس وثمانمائة فرس ما بين حجورة ومهارة وفحولة وأكاديش وترك من الهجن الأصائل والنياق نيفًا على خمسة آلاف سوى أتباعها‏.‏

وأما الجمال النفر والبغال فكثير‏.‏

وكان الملك الناصر أيضًا شغوفًا بالصيد فلم يدع أرضًا تعرف بالصيد إلا وأقام بها صيادين مقيمين بالبرية أوان الصيد‏.‏

وجلب طيور الجوارح من الصقورة والشواهين والسناقر والبزاة حتى كثرت السناقر في أيامه‏.‏

وصار كل أمير عنده منها عشرة سناقر وأقل و كثر‏.‏

وجعل له البازدارية وحراس الطير وما هو موجود بعضه الآن وأقطعهم الإقطاعات الجليلة وأجرى لهم الرواتب من اللحم والعليق والكساوي وغير ذلك‏.‏

ولم يكن ذلك قبله لملك فترك بعد موته مائة وعشرين سنقرًا ولم يعهد بمثل هذا لملك قبله بل كان لوالده الملك المنصور قلاوون سنقر واحد وكان المنصور إذا ركب في المركب للصيد كان بازداره أيضًا راكبًا والسنقر على يده‏.‏

وترك الملك الناصر من الصقورة والشواهين ونحوها ما لاينحصر كثرة‏.‏

وترك ثمانين جوقة كلاب بكلابزنتها وكان أخلى لها موضعًاأ بالجبل‏.‏

وعني أيضًا بجمع الأغنام وأقام لها خولة‏.‏

وكان يبعث في كل سنة الأمير آقبغا عبد الواحد في عدة من المماليك لكشفها فيكشف المراحات من قوص إلى الجيزة ويأخذ منها ما يختاره من الأغنام وجرده مرة إلى عيذاب والنوبة لجلب الأغنام‏.‏

ثم عمل لها حوشًا بقلعة الجبل وقد ذكرنا ذلك في وقته وأقام لها خولة نصارى من الأسرى‏.‏

وعني أيضًا بالإوز وأقام لها عدة من الخدام وجعل لها جانبًا بحوش الغنم‏.‏

ولما مات ترك ثلاثين ألف رأس من الغنم سوى أتباعها‏.‏

فاقتدى به الأمراء وصارت لهم الأغنام العظيمة في غالب أرض مصر‏.‏

وكان كثير العناية بأرباب وظائفه وحواشيه من أمراء اخورية والأوجاقية وغلمان الإسطبل والبازداردة والفراشين والخولة والطباخين‏.‏

فكان إذا جاء أوان تفرقة الخيول على الأمراء بعث إلى الأمير بما جرت به عادته مما رتبه له في كل سنة مع أمير آخور وأوجاقي وسايس وركبدار ويترقب عودهم حتى يعرف ما أنعم به ذلك الأمير عليهم فإن شح الأمير في عطاياتهم تنكر عليه وبكته بين الأمراء ووبخه وكان قرر أن يكون الأمير آخور بينهم بقسمين ومن عداه بقسم واحد‏.‏

وكان أيضًا إذا بعث لأمير بطير مع أمير شكار أو واحد من البازدارية يحتاج الأمير أن يلبسه خلعة كاملة بحياصة ذهب وكلفتاه زركش فيعود بها ويقبل الأرض بين يديه فيستدنيه ويفتش خلعته‏.‏

وكانت عادته أن يبعث في يوم النحر أغنام الضحايا مع الأبقار والنوق إلى الأمراء فبعث مرة مع بعض خولة النصارى إلى الأمير يلبغا حارس طيره ثلاثة كباش فأعطاه عشرة دراهم فلوسًا وعاد إلى السلطان فقال له‏:‏ ‏"‏ وأين خلعتك ‏"‏‏.‏

فطرح الفلوس بين يديه وعرفه بقدرها فغضب وأمر بعض الخدام أن يسير بالخولي إلى عنده ويوبخه ويأمره أن يلبسه خلعة طرد وحش‏.‏

وكانت حرمته ومهابته وافرة قد تجاوزت الحد حتى إن الأمراء كانوا إذا وقفوا بالخدمة لا يجسر أحد منهم أن يتحدث مع رفيقه ولا يلتفت نحوه خوفًا من مراقبة السلطان لهم‏.‏

وكان لا يجسر أحد أن يجتمع مع خشداشه في نزهة ولا غيرها‏.‏

وكان له المواقف المشهودة منها لما لقي غازان على فرسخ من حمص وقد تقدم ذكر ذلك‏.‏

ثم كانت له الوقعة العظيمة مع التتار أيضًا بشقحب وأعز الله تعالى فيها الإسلام وأهله ودخلت عساكره بلاد سيس وقرر على أهلها الخراج أربعمائة ألف درهم في السنة بعد ما غزاها ثلاث مرار‏.‏

وغزا ملطية وأخذها وجعل عليها الخراج ومنعوه مرة فبعث العساكر إليها حتى أطاعوه‏.‏

وأخذ مدينة آياس وخرب البرج الأطلس وسبعة حصون وأقطع أراضيها للأمراء والأجناد‏.‏

وأخذ جزيرة أرواد من الفرنج‏.‏

وغزا بلاد اليمن وبلاد عانة وحديثة في طلب مهنا‏.‏

وجرد إلى مكة والمدينة العساكر لتمهيدها غير مرة ومنع أهلها من حمل السلاح بها‏.‏

وعمر قلعة جعبر بعد خرابها وأجرى نهر حلب إلى المدينة‏.‏

وخطب له بماردين وجبال الأكراد وحصن كيفا وبغداد وغيرها من بلاد الشرق وهو بكرسي مصر‏.‏

وأتته هدية ملوك الغرب والهند والصين والحبشة والتكرور والروم والفرنج والترك‏.‏

وكان رحمه الله على غاية من الحشمة والرياسة وسياسة الأمور فلم يضبط عليه أحد أنه أطلق لسانه بكلام فاحش في شدة غضبه ولا في انبساطه مع عظيم ملكه وطول مدته في السلطنة وكثرة حواشيه وخدمه‏.‏

وكان يدعو الأمراء والأعيان وأرباب الوظائف بأحسن أسمائهم وأجل ألقابهم وكان إذا غضب على أحد لا يظهر له ذلك‏.‏

وكان مع هذه الشهامة وحب التجمل مقتصدًا في ملبسه يلبس كثيرًا البعلبكي والنصافي المتوسط ويعمل حياصته فضة نحو مائة درهم بغير ذهب ولا جوهر ويركب بسرج مسقط بفضة التي زنتها دون المائة درهم وعباءة فرسه إما تدمري أوشامي ليس فيها حرير‏.‏

وكان مفرط الذكاء يعرف جميع مماليك أبيه وأولادهم بأسمائهم ويعرف بهم الأمراء خشداشيتهم فيتعجبون الأمراء من ذلك وكذلك مماليكه لا يغيب عنه اسم واحد منهم ولا وظيفته عنده ولامبلغ جامكيته هذا مع كثرتهم‏.‏

وكان أيضًا يعرف غلمانه حاشيته على كثرة عددهم ولا يفوته معرفة أحد من الكتاب فكان إذا أراد أن يولي أحدًا مكانًا أو يرتبه في وظيفة استدعى جميع الكتاب بين يديه واختار منهم واحدًا أو أكثر من واحد من غير أن يراجع فيهم ثم يقيمه فيما يريد من الوظائف‏.‏

وكان إذا تغير على أحد من أمرائه أو كتابه أسر ذلك في نفسه وتروى في ذلك مدة طويلة وهو ينتظر له ذنبًا يأخذه به كما وقع له في أمر كريم الدين الكبير وأرغون النائب وغيرهم وهو يتأنى ولا يعجل حتى لا ينسب إلى ظلم فإنه كان يعظم عليه أن يذكر عنه أنه ظالم أو جائر أو وقع في أيامه خراب أوخلل ويحرص على حسن القالة فيه‏.‏

وكان يستبد بأمور مملكته وينفرد بالأحكام حتى إنه أبطل نيابة السلطنة من ديار مصر ليستقل هو بأعباء الدولة وحده‏.‏

وكان يكره أن يقتدي بمن تقدمه من الملوك فمن أنشأه من الملوك كائنًا من كان ولايدخلهم المشورة حتى ولا بكتمر الساقي ولا قوصون ولا بشتك وغيرهم بل كان لا يقتدي إلا بالقدماء من الأمراء‏.‏

وكان يكره شرب الخمر ويعاقب عليه ويبعد من يشربه من الأمراء عنه‏.‏

وكان في الجود والكرم والإفضال غاية لاتدرك خارجة عن الحد وهب في يوم واحد ما يزيد على مائة ألف دينار ذهبًا وأعطى في يوم واحد لأربعة من مماليكه وهم الأمير ألطنبغا المارداني ويلبغا اليحياوي وملكتمر الحجازي وقوصون مائتي ألف دينار ولم يزل مستمر العطاء لخاصكيته ومماليكه ما بين عشرة آلاف دينار وأكثر منها وأقل ونحوها من الجوهر واللآلىء‏.‏

وبذل في أثمان الخيل والمماليك ما لم يسمع بمثله‏.‏

وجمع من المال والجوهر والأحجار ما لم يجمعه ملك من ملوك الدولة التركية قبله مع فرط كرمه‏.‏

قلت‏:‏ كل ذلك لحسن تدبيره وعظم معرفته فإنه كان يدري مواطن استجناء المال فيستجنيه منها ويعرف كيف يصرفه في محله وأغراضه فيصرفه‏.‏

ولم يشهر عنه أنه ولي قاض في أيامه برشوة ولا محتسب ولا وال بل كان هو يبذل‏.‏

لهم الأموال ويحرضهم على عمل الحق وتعظيم الشرع الشريف وهذا بخلاف من جاء بعده فإن غالب ملوك مصر ممن ملك مصر بعده يقتدي بشخص من أرباب وظائفه فيصير ذلك الرجل هو السلطان حقيقة والسلطان من بعض من يتصرف بأوامره وكل ذلك لقصر الإدراك وعدم المعرفة فلذلك يتركون الأموال الجليلة والأسباب التي يحصل منها الألوف المؤلفة ويلتفتون إلى هذا النزر اليسير القبيح الشنيع الذي لا يرتضيه من له أدنى همة ومروءة وهو الأخذ من قضاة الشرع عند ولايتهم المناصب وولاة الحسبة والشرطة وذلك كله وإن تكرر في السنة فهو شيء قليل جدًا يتعوض من أدنى الجهات التي لا يؤبه إليها من أعمال مصر فلو وقع ذلك لكان أحسن في حق الرعية وأبرأ لذمة السلطان والمسلمين من ولاية قضاة الشرع بالرشوة وما يقع بسبب ذلك في الأنكحة والعقود والأحكام وما أشبه ذلك‏.‏

انتهى‏.‏